الغزالي
83
إحياء علوم الدين
وليس بأفضل من العزلة للاشتغال بالتحقق في معرفة الله ، ومعرفة علوم الشرع ، ولا من الإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ، والتجرد بها لذكر الله . أعنى من حصل له أنس بمناجاة الله عن كشف وبصيرة ، لا عن أوهام وخيالات فاسدة وأما النفع ، فهو أن ينفع الناس ، إما بماله أو ببدنه . فيقوم بحاجاتهم على سبيل الحسبة ففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب ، وذلك لا ينال إلا بالمخالطة . ومن قدر عليها مع القيام بحدود الشرع فهي أفضل له من العزلة ، إن كان لا يشتغل في عزلته إلا بنوافل الصلوات والأعمال البدنية . وإن كان ممن انفتح له طريق العمل بالقلب ، بدوام ذكر أو فكر فذلك لا يعدل به غيره البتة الفائدة الثالثة التأديب والتأدب . ونعني به الارتياض بمقاساة الناس ، والمجاهدة في تحمل أذاهم كسرا للنفس ، وقهرا للشهوات . وهي من الفوائد التي تستفاد بالمخالطة ، وهي أفضل من العزلة في حق من لم تتهذب أخلاقه ، ولم تذعن لحدود الشرع شهواته . ولهذا انتدب خدام الصوفية في الرباطات ، فيخالطون الناس بخدمتهم ، وأهل السوق للسؤال منهم ، كسرا لرعونة النفس واستمدادا من بركة دعاء الصوفية ، المنصرفين بهممهم إلى الله سبحانه . وكان هذا هو المبدأ في الأعصار الخالية . والآن قد خالطته الأغراض الفاسدة ، ومال ذلك عن القانون ، كما مالت سائر شعائر الدين ، فصار يطلب من التواضع بالخدمة التكثير بالاستتباع ، والتذرع إلى جمع المال ، والاستظهار بكثرة الأتباع . فإن كانت النية هذه فالعزلة خير من ذلك ، ولو إلى القبر . وإن كانت النية رياضة النفس ، فهي خير من العزلة في حق المحتاج إلى الرياضة وذلك مما يحتاج إليه في بداية الإرادة . فبعد حصول الارتياض ، ينبغي أن يفهم أن الدابة لا يطلب من رياضتها عين رياضتها ، بل المراد منها أن تتخذ مركبا ، يقطع به المراحل ويطوى على ظهره الطريق . والبدن مطية للقلب ، يركبها ليسلك بها طريق الآخرة . وفيها شهوات إن لم يكسرها جمحت به في الطريق . فمن اشتغل طول العمر بالرياضة . كان كمن اشتغل طول عمر الدابة برياضتها ولم يركبها . فلا يستفيد منها إلا الخلاص في الحال من عضها ورفسها